ابن أبي أصيبعة

18

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

قال : وكان في سنة عشر ومائتين ، مرض " المأمون " مرضا صعبا ، وكان وجوه الأطباء يعالجونه ولا يصلح ، فقال لميخائيل : إن الأدوية التي تعطيني « 1 » تزيدني شرا ، فاجمع الأطباء وشاورهم في أمرى . فقال له أخوه ( أبو عيسى ) « 2 » : يا أمير المؤمنين ، نحضر " جبريل " فإنه يعرف مزاجاتنا منذ الصبا ، فتغافل عن كلامه ، وأحضر " أبو إسحاق " أخوه " يوحنا بن ماسويه " « 3 » ، فثلبه " ميخائيل " طبيبه . ووقع فيه وطعن عليه . فلما ضعفت قوة المأمون عن أخذ الأدوية ، أذكروه بجبريل ، فأمر بإحضاره ، ولما حضر غير تدبيره كله . فاستقل بعد يوم ، وبعد ثلاثة أيام صلح ، فسر به " المأمون " سرورا عظيما . ولما كان بعد أيام يسيرة ، صلح صلاحا تاما ، وأذن له " جبريل " في الأكل والشرب ففعل . وقال له " أبو عيسى " أخوه وهو جالس معه على الشراب : مثل هذا الرجل الذي لم يكن ممثله ولا يكون ، سبيله أن يكرم ؛ فأمر له المأمون بألف ألف درهم ، وبألف كر حنطة ، وورد عليه سائر ما قبض منه من الأملاك والضياع . وصار إذا خاطبه كناه بأبى عيسى جبريل ، وأكرمه زيادة على ما كان أبوه يكرمه . وانتهى به الأمر في الجلالة ، إلى أن كان ككل من تقلد عملا لا يخرج إلى عمله ، إلا بعد أن يلقى " جبريل " ويكرمه ، وكان عند " المأمون " مثل أبيه ، ونقص محل " ميخائيل " الطبيب صهر " جبريل " وانحط . قال " يوسف بن إبراهيم " « 4 » : دخلت على " جبريل " داره التي بالميدان ، في يوم من تموز ، وبين يديه المائدة ، وعليها ( فراخ ) « 5 » طيور مسرولة « 6 » ، كبار . قد عملت كوردناجا بفلفل ، وهو يأكل منها ، وطالبنى بأن آكل معه ، فقلت له : كيف آكل منها في مثل هذا الوقت من السنة ، وسنى سن الشباب ؟ فقال لي " جبريل " : ما الحمية عندك ؟ فقلت : تجنب الأغذية الرديئة . فقال لي : غلطت ، ليس ما ذكرت حمية . ثم قال : لا أعرف أحدا عظم قدره ولا صغر يصل إلى الإمساك عن غذاء من الأغذية كل دهره ، إلا أن يكون يبغضه ، ولا تتوق نفسه إليه ؛ لأن الإنسان قد يمسك عن اكل الشئ برهة من دهره ، ثم يضطره إلى أكله أدم سواه لعلة من العلل ، أو مساعدة لعليل يكون عنده أو صديق

--> ( 1 ) في ج ، د : " تعطينها " . ( 2 ) في أ ، ج ، د : " عيسى " ، وهو " أبو عيسى بن هارون الرشيد بن محمد المهدى بن أبي جعفر " أخو " المأمون " ، أمير من أمراء العباسيين ، وشاعر له نظم جيد . وكان مليح زمانه في بغداد ، وكانت وفاته سنة 209 ه في بغداد . انظر : المعارف لابن قتيبة : 383 ، سير أعلام النبلاء للذهبي : 9 / 295 . ( 3 ) هو أبو زكريا " يوحنا بن ماسويه " أشهر أطباء عصره في بغداد ، وكان ذكيا فاضلا ، خبيرا بعلم الطب ، خدم كثيرا من خلفاء بنى العباس ، منهم : " المأمون " و " المعتصم " و " الواثق " و " المتوكل " ، وكان قد تعلم في بيمارستان جندىسابور ، وبرع في السريانية والعربية ، ورأس بيت الحكمة ببغداد ، ورأس أعمال الترجمة بها ، له كثير من الكتب ، منها : كتاب العين ، ونوادر الطب أو الفصول الحكمية والنوادر الطبية ، وكتاب الحميات ، وغيرها ، وكانت وفاته سنة 243 ه . انظر في ترجمته : إخبار العلماء بأخبار الحكماء للقفطى : 248 ، طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل : 65 ، الفهرست للنديم : 589 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 1 / 368 . ( 4 ) هو أبو الحسن " يوسف بن إبراهيم " المعروف بابن الداية ، نشأ في خدمة " إبراهيم بن المهدى " وتولى له الكتابة ، ولما توفى " إبراهيم بن المهدى " ضاقت بها الأرض بما رحبت ، فاضطر إلى التوجه إلى دمشق سنة 225 ، ثم رحل منها إلى مصر ، وتولى الكتابة بها ، وبها برع في الطب والأدب والحساب والتنجيم ، وروى عن كبار مشاهير الأطباء ، وكانت وفاته سنة 265 ه - 878 م . انظر : معجم الأدباء لياقوت الحموي : 5 / 154 - 160 ، الوافي بالوفيات لابن أيبك الصفدي : 8 / 282 ، مختصر تاريخ الطب العربي لكمال السامرائي : 2 / 450 . ( 5 ) في أ : " فروخ " . ( 6 ) مسرولة : المسرول من الطيور كالحمام ، وهو ما كان في رجليه ريش . المعجم الوسيط ج 1 ص 428 .